سنغافورة بعد رحيل لي كوان يو: هل تتبنى الدول النموذج الرأسمالي الغربي أم تصنع نظاماً يناسب ثقافتها؟

يعد الزعيم السنغافوري، المتوفي مؤخراً، لي كوان يو مؤسس النظام الرأسمالي الاستبدادي في سنغافورة. لي، الذي تقلد منصب رئيس الوزراء في بلاده من عام 1959 إلى 1990 ابتدع مذهبا اقتصاديا مميزا بفضله أصبحت سنغافورة في مصاف الدول الأغنى والأكثر تطورا، وشكل نجاح نموذجه حافزا تم الاقتداء به في الصين. فبعد سقوط  ماوتسي تونغ وتطهير البلاد من عصابة الأربعة التي كانت تتحكم بمفاصل الصين، تطلع دينج شياو بينج، قائد الصين أنذاك،  إلى النموذج السنغافوري، وهو النموذج الذي عمل لي كوان يو عليه قرابة عشرين عاما وقام من خلاله بتحرير الاقتصاد مقابل الإبقاء على القبضة الصارمة لحزب العمل الشعبي. وشرع دينج بإرسال المسؤولين إلى سنغافورة لدراسة نموذجها. وليس مفاجئا أن تنعي وزارة الخارجية الصينية لي وتصفه بأنه “رجل دولة ذو تأثير فريد في آسيا وتجسد استراتيجياته القيم الشرقية والرؤية الدولية في آن واحد”.

ففي الجانب المتعلق بالقيم الشرقية فقد عزى لي كوان يو معجزة الاقتصاد السنغافوري إلى القيم الكونفوشيوسية كالتقشف والاعتماد على النفس والعائلة بدلا من الدولة. ووفقا للدبلوماسي السنغافوري كيشور محبوباتي في كتابه “نصف الكرة الأرضية الآسيوي” فإن معظم برامج التنمية المطبقة في سنغافورة هي محاكاة للنماذج الغربية فيما يتعلق بالأسواق التنافسية وسيادة القانون والتعليم العام وغيرها. وبتبني هذه البرامج تمكن لي كوان يو من إقامة دولة قوية إذ رفع إجمالي الناتج المحلي للفرد الواحد من أقل من 500 دولار عام 1960 إلى 55 ألف  دولار عام 2013.

 لكن لي كوان يو لم يتبن المفهوم الغربي للديمقراطية التعددية وحرية التعبير، بالرغم من إجراء انتخابات منتظمة إلا أن حزبه احتكر السلطة منذ عام 1959. وخلال فترة حكمه تم اعتقال المعارضين ومقاضاة وحظر الصحف الأجنبية التي تقدم تقارير عن القضايا الداخلية في سنغافورة كصحيفة هيرالد تريبيون. واستمر الحال على ذلك حتى عندما شغل ابن لي كوان يو منصب رئيس الوزراء خلفا لوالده. أما حجة لي كوان يو في تقنين الحريات فهي أن سنغافورة وغيرها من الدول الآسيوية ليست جاهزة لتطبيق الديمقراطية وفق المفهوم الغربي. وفي أعقاب وفاة لي نتساءل هل يمكن لنموذجه في الرأسمالية الاستبدادية أن يصمد أكثر أو أنه سيغدو مرحلة مؤقتة على الطريق لديمقراطية تشاركية؟

عكست الانتخابات العامة مزاج السنغافوريين الذين يرون أن الوقت قد حان لنظام أكثر انفتاحا، فقد حصل حزب العمل الشعبي (الذي كان يضم لي كوان يو) على 60% من الأصوات وهي أقل نتيجة يحصل عليها منذ استقلال البلاد. كما حدثت احتجاجات شعبية ضد غياب الشفافية. وتأسس حزب سياسي جديد يركزعلى قضايا الغذاء والارتفاع الشديد في أسعار المنازل، ويرى الخبراء بأن جماعة المعارضة الرئيسية الممثلة بحزب العمال ستفوز في انتخابات 2017 لتحتل أكثر مقاعد البرلمان، عندها لن تكون الحكومة حكرا على حزب العمل الشعبي. وفي هذا السياق صرح بي إن بالجي، وهو نائب رئيس تحرير سابق لصحيفة سترايس تايمز، قائلاً “أعتقد أن هناك رغبة حقيقية وأصيلة لدى الناس الذين يريدون التعددية السياسية”.

ومن المؤكد أن القيادة في بكين تراقب عن كثب ما يحدث، ففي حال تبنت سنغافورة نظاما ديمقراطيا حقيقيا متعدد الأحزاب فسيصعب على الصين التخلف عن هذا المشهد. لي كوان يو الذي تقلد في السنين الأخيرة من حياته  منصب المستشار وطاف أنحاء العالم، قال في لقاء له بأن “النظام الحكومي في الصين سيتغير، وكذلك في كوريا وتايوان وفيتنام. وهو يتغير الآن في سنغافورة. ولكنه لن يكون كالنظام الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي، بل نظاماً مختلفاً”، وهو ما يعكس إيمانه بقدرة الدول الآسيوية على خلق نظام حكم خاص بهم.

وبكل الأحوال فإن تشكك لي كوان يو من تجذر الديمقراطية وفق المفهوم الغربي له مسوغاته، ففي مجتمع تسوده الانقسامات الاجتماعية والعرقية قد تسبب الديمقراطية الوليدة فوضى مما يجعل سنغافورة تتراجع في الاتجاه نحو الانفتاح. وإن حدث ذلك فسيكون هناك ارتياح كبير في الصين وموسكو، إذ أن لي كوان يو يُعتبر بمثابة المرشد لفلاديمير بوتين. لكن تخيل لو قررت سنغافورة احتضان النقاشات السياسية القوية والتغيرات المتعاقبة للحكومات واستمرت على هذا النهج. وبكل الأحوال سيظل الجميع ينظر إلى لي كوان يو على أنه شخص لعب دورا مؤثرا في تاريخ بلاده وعموم آسيا، لكن يبقى السؤال، هل يمكن لنظام حكم أن ينجح بناءً على إرثه الاجتماعي؟ أم أن المطلوب هو نسخ النموذج الغربي في الديموقراطية إلى نماذج أخرى في كافة أرجاء العالم؟ ولعل أوضح التساؤلات هو عما إذا كان المطلوب من دول العالم أن تبحث عن النظم الأنسب لها بدلاً من الالتزام بالنموذج الديموقراطي الغربي؟ أم أن الأنسب هو أن تبحث عن حلول تأتي من واقعها السياسي والاجتماعي؟

Cassidy-Lee-Kuan-Yew-1200

 المصدر: New Yorker

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن