العرباوية.. يعيدون الروح للكويت

AlArabi
باقي ساعتان/ثلاث على بدءالمباراة.. يبدأ الجمهور بالتوافد للمدرجات، ورابطة جمهور النادي العربي الكويتي تتخذ موقعها في أسفل المدرج الهلالي في الصدارة.
 شباب.. رجال أكبر سناً.. أطفال.. بعض الفتيات.. الملعب آخذ بالامتلاء -على غير عادة مباريات الدوري الكويتي-.
يبدو البعض مألوفين في هذه الأوساط، فتراهم يتحدثون مع آخرين من الجالسين بعيداً، يتبادلون النكات، ويتصرفون كما لو كانوا في بيوتهم، وبعضهم تبدو على وجهه علامات تحاول تحسس شيء مألوفا في المشهد، فتعلم أنه لا يحضر للملعب منذ زمن.
أجناس مختلفة وطبقات اجتماعية متعددة تجتمع في كل مباراة تحت راية “القلعة الخضراء”، كما يلقبها مشجعوها، فخلقت تفاعلاً اجتماعياً بين الجماهير واللاعبين أعادت بعضاً من النكهة التي كانت تعبر عن الملاعب الكويتية في أزمنة سابقة، فأحيت أجواءً افتقدها الكويتيون منذ وقت طويل.

عودة التقاليد الكروية

Al Arabi football

لطالما كان تقليد الذهاب لمباراة كرة قدم من التقاليد المألوفة في حياة الأسرة الكويتية، بدءاً من بزوغ كرة القدم الكويتية في الستينات والسبعينات، ووصولاً لبلوغ الكويت لنهائيات كأس العالم عام 1982، فكانت كرة القدم مصدراً للاعتزاز الوطني، وكان تطور المنتخب يعكس مستوى الدوري والأندية المحلية، التي كانت لها جماهيرها وشخصياتها المميزة والمعروفة وصيحاتها المشهورة والأسماء التي يسخرون بها من بعضهم البعض، فنادي الكويت “دجاج ماكينة”، كناية عن زيه الأبيض، والعربي “بصل” ربطاً للون زيه بالبصل الأخضر، علاوة على ما قد يحمله المسمى من دلالات اجتماعية أخرى مبطنة تستخدم في المناكفات.

ومع تراجع الكويت في مختلف المجالات الرياضية والثقافية والسياسية، بدأ تراجع تفاعل الجمهور مع كرة القدم، فباتت الملاعب خاوية إلا من لاعبيها في مباريات لا يهتم لنتائجها إلا مجالس إدارات الأندية، واتجهت الجماهير للدوريات الأوروبية، فأصبح “دجاج الماكينة” “برشلوني”، والآخر “مانشستراوي”، وانتقلت أجواء الملاعب من المفعمة بالحياة والبشر إلى تلفزيونات تصطف أمامها كراسي المقاهي والديوانيات. ومع التراجع الكروي كان تراجع المجتمع والدولة، فاستشرى الفساد، وازدادت حدة التندر لدى الناس، وفقد الأمل، وتوالت الأزمات واحدة تلو الأخرى تأخذ دورها في شريط انتكاسات الدولة الذي لا يبدو أنه سينتهي.

نكهة عرباوية

al arabi woman

 

ومع بداية الموسم الرياضي لهذا العام (2014-2015)، انتبهت الجماهير للدوري الكويتي الذي بدأ يشهد دخول فرق جديدة على خط المنافسة بدلاً من ناديي القادسية والكويت اللذان سيطرا على المشهد الكروي خلال السنوات الماضية، والذي قد يعزي البعض حدة تنافسهم انعكاساً لصراع سياسي/رياضي بين الناديين، إلا أن هذا الموسم شهد دخول النادي العربي على خط المنافسة، فهو أحد أعرق النوادي الكويتية وأقدمها وله تاريخ حافل بالبطولات والنجوم.
ومع عودة النادي للمنافسة، عادت الجماهير العرباوية، التي لطالما تميزت عن غيرها بنكهة مختلفة وشخصيات فريدة تعكس التمايز الاجتماعي والثقافي الذي يحمله جمهور النادي، فـ”الشخصية العرباوية” معروفة في بعض أوساط المجتمع الكويتي، وهي شخصية تعكس كاركتر مشجعي النادي العربي، فتراه شخصية طيبة لكنها عنيدة ودائماً على حق، كما لا ينفك العرباوي من الشكوى على الظلم الذي يواجهه الفريق سواء من الحكام، أو الاتحاد، أو حتى أرضية الملعب، كما يرى العرباوي دائماً أن المشكلة ليست بالفريق فهو فريق جيد لكنه يستحق “أفضل من هذا” في كل شيء.
كما لا تغيب السمات المتمردة عن الشخصية العرباوية، فهو يكاد يكون الجمهور الوحيد الذي يوجه شتائمه للإدارة في حال خسارة الفريق، على عكس الفرق الأخرى التي توجه غضبها لجوانب أخرى غير الإدارة، بينما في العادة يكون رئيس النادي العربي -أياً كان- هدفاً رئيسياً لتندر الجماهير.

تشجيع مميز

0 (43)

jomhoor

ومع عودة الفريق للمنافسة هذا العام وترك اللاعبين لبصماتهم في الملاعب، حرص جمهور العربي على ترك علامة مميزة من مقاعد المدرجات، فتارة يحضر الجمهور العرباوي المباراة مرتدياً الزي الشعبي الكويتي (غترة وجريمبة) تأسياً بجماهير النادي أثناء العصر الذهبي في السبعينات والثمانينات، حين كان النادي العربي في أوجه حاصداً العديد من البطولات أنذاك، وهي مبادرة أشعلت حماس اللاعبين والجمهور لإعادة أمجاد النادي تفاعلا مع أداء الفريق هذا الموسم.
 وفي مباراة أخرى، ألقت الجماهير الرولات الورقية على اللاعبين لخلق مشهد احتفالي جميل، وفي المباراة الأخيرة وضعت الجماهير قناعاً أخضر على وجوههم كنوع من أنواع دعم الفريق، وتبعهم اللاعبين بارتداء ذلك القناع، لدرجة أن أحد اللاعبين ارتدى القناع بعد تسجيله هدف مما دعا الحكم لإنذاره.
ولم تقف الجماهير العرباوية عند ذلك، بل بدأت تقليداً جديداً في المباريات، وهو أن يقف جمهور العربي بأكمله للتصفيق في الدقيقة 22 من المباراة ولمدة دقيقة كاملة وفاءً لحارس مرمى النادي العربي الأسبق وحارس مرمى المنتخب الوطني المحبوب سمير سعيد والذي كان يحمل ذات الرقم، وقد توفي سمير سعيد إثر حادث مروع عام 2012 وكان أحد أكثر اللاعبين المحبوبين في تاريخ النادي، فكان شخصية مميزة أحبها العرباوية وكافة الجماهير الكويتية. ومع وقوف الجماهير للتصفيق يشعر المرء بأنه جزء من نسيج واحد أو عائلة واحدة، شعور مهيب بالوحدة تزول معه كافة الانتماءات الأخرى.. فالكل هنا عرباوي.

تعطش للقب يعيد الأمجاد

0 (113)ويعد النادي العربي، مع غريمه التقليدي القادسية، أكثر فريقين حازا على لقب الدوري الكويتي (16 لقب لكل منهما)، وفيما حصل العربي على لقب كأس ولي العهد هذا العام، إلا أن لقب الدوري يبقى اللقب الأهم، وهو اللقب الذي لم يحصل عليه العربي منذ عام 2002، مما ضاعف من أهمية الحملة العرباوية هذه العام وزاد من التفاف الجماهير حولها، فعاد اهتمام العرباوية -وغيرهم- بالرياضة المحلية ومنافساتها، وبدأت الملاعب تشهد حضوراً أكبر من الجماهير، فيما تشتعل وسائل التواصل الاجتماعي أثناء المباريات، لا سيما مباريات العربي، فتحتل الهاشتاغات الخضراء أكثر المواضيع تداولاً في الكويت.
وفي الوقت الذي يشارف فيه الدوري الكويتي إلى الحسم، فإن ذلك الأمل المتجدد في الكرة الكويتية أعاد إلى العديدين صورة كادت تنسى لمجتمع أكثر تفاعلاً وحياة، فتتزامن هذه الحيوية في المشهد الرياضي مع أجواء تشبه الصحوة تعيشها الكويت هذه الأيام، وسط “تفاهم” سياسي أكبر بين الأطراف المختلفة، واستقرار أفضل نسبياً مما كان عليه الأمر خلال السنوات الماضية، ومشاريع تبدو على طريق الأنجاز مانحة بصيص أمل للكويتيين بإعادة أمجادهم السابقة، فيما يلوح الأمل لدى العرباوية بلقب جديد يعيد لهم أمجادهم.
فهل تغدو هذه الأماني مجرد طفرة أمل مؤقتة؟ أم هي بداية لصناعة أمجاد جديدة؟
سيعرف العرباوية الإجابة خلال الأيام القليلة المقبلة مع دخول الدوري مرحلة الحسم، فيما سيبقى المجتمع الكويتي يراقب بتوجس وشك إن كان الأمل حقيقة أم مجرد حلم أخضر.
مصادر الصور: arabiclub.net