الأوبريتات الوطنية في الكويت: عبء على الأرشيف والذائقة والذاكرة

Kuwait National Day Celebrations

في زمن الاستهلاك السريع، قلة الحيلة وقدرة الابتكار الفني، سعة المال وضيق الوقت، سطوة التكنولوجيا وجفاف حقول العقول، تَفكّك الترابط “المفترض” بين عناصر الأغنية (الفكرة، النص، الأداء والتنفيذ) فكان أن .. انصهرت الأنماط المختلفة في قالب وحيد، ينشد النجاح باستنساخ اللون الرائج بمعزل عن كافة الاعتبارات الأخرى، ولم تكن الأغنية الوطنية بمأمن من هذا التيار الجارف، بالرغم من خصوبة الأرض متمثلة في الاحتفالات السنوية بالأعياد الوطنية وما يصاحبها من إنفاق مرتفع وعشوائي، مع حاجة تجميع الشتات الوطني الناتج عن الأحداث السياسية الداخلية والخارجية، إلاّ أن حالة الجفاف الإبداعي تقف عائقاً أمام وجود أغنية وطنية حقيقية تؤدي غرضها بتعزيز شعور الإنتماء، مع تماسكها فنياً.

الغالبية الكاسحة من المنشغلين بهذا الحقل اختاروا أسرع الطرق وأسهلها في أعمالهم، التقليد الأعمى، متناسين أنه في شرع الفن “النسخ مسخ”، والتقليد كما العلكة تعطيك نكهتها اللذيذة في أول مضغة لتصبح بعدها عبئاً على الفكين، فكانت أطنان الأعمال رديئة الاستنساخ عبئاً على الأرشيف والذائقة والذاكرة.

أمثلة عمّا أعنيه، “مذكرات بحار” أوبريت وطني رائع ومتماسك شدا به كل من شادي الخليج وسناء الخراز عام 1979، وقام بتلحينه غنام الديكان ونظم شعره محمد الفايز الذي رحل عن الدنيا بعد يوم واحد من التحرير بعد أن اطمئن لعودة وطنه. انطوى هذا العمل على جهد ذهني كبير لينال النجاح الذي ناله بفضل ترابط المكونات، الفكرة المتقنة، جودة الشعر، ملاءمة اللحن للموضوع ، كما كان الحال في أوبريتات أخرى عديدة بلغت ذروتها في أواسط ثمانينات القرن الماضي أبرزها أوبريت صدى التاريخ للشاعر د. عبدالله العتيبي ولذات الملحن والمطرب، تلك الأعمال لم تنجح لمجرد حشد وحشر الأطفال في المسرح، وهو ما لا يدركه غالبية فناني هذا الوقت الذين يقيمون في كل عام أوبريتاً جديداً لا يحمل سوى إسمه، فلا أثر يُترك سوى تكريسه للتردي الإبداعي. مثال آخر على توظيف الأطفال في الأغنية الوطنية، في ظرف محدد راجت أغنية وطن النهار (وليست وطني النهار كما تتم تسميتها جهلاً) وكان كورال الأطفال العنصر الأبرز في تلك الأغنية، ليتم بعد ذلك استنساخ عشرات الأغاني مستخدمة ذات التكنيك بإقحام الأطفال ولكن على حساب كل شيء آخر يُفترض الاهتمام به، ناهيك عن رواج الاسلوب التسجيلي ( play back ) سيء الذكر خانق الأداء التعبيري، عوضاً عن العروض الحية المتفاعلة والتي تتطلب قدرا أكبر من الإتقان.

أما على نطاق الكلمات، فقد سمعت أغنية في إذاعة الكويت تقول كلماتها “حكامنا منّا وفينا ولحد يزايد علينا”..  هل يدرك شاعر هذا العمل (إن صح الوصف) الفرق ما بين الشعر الوطني وبين ندوة انتخابية رخيصة؟ وتتوالى الأعمال العبثية وآخرها أغنية تتغنى بخفة دم الكويتي، وأنه يفهم في الرياضة والشعر والسياسة، مع حچارته* علماً بأن الأخيرة تحوي قدحاً لا مدحاً، وأشك في إدراك الشاعر لذلك، هل تشاطروني ذلك الشك؟

ينسحب الحديث السابق على بقية الألوان الغنائية ومنها الأغنية الرياضية التي يُفترض بها العنفوان وبث الحماس والتغني بقوة بمفردات صريحة ومؤثرة مع الاستناد على إيقاعات كويتية حية ونشطة، لكنها في ليلة ظلماء تحولت إلى أغنية عاطفية يتأوه بها المطرب بكل غنج ورومانسية لا تتفق مع المشهد، ناهيك عن الكلمات فارغة المعنى والقافية والحبكة لتُسخّر لها كافة وسائل الإعلام، ومنها أغنية رياضية أخرى سمعتها آلاف المرات تقول كلماتها “طاط وطوط طاط وطوط .. ياكم الأزرق الأخطبوط” ظلمتها سنيناً طوال إعتقاداً بركاكة كلماتها، إلى أن إكتشفت مؤخراً في معجم لسان العرب المعنى اللغوي لـ طاطُ وطوطُ وهو “فَحل المُغْتَلِمُ الهائجُ يوصَف به الرجل الشجاع ” ظلمتك يا أيها الشاعر .. الصفح!

فيصل خاجه

@faisalkhajah

Faisl.h.k@hotmail.com

*حچر:

تعني محافظ جداً على أهله ولا يترك لهم مجال للخروج من البيت بدون محرم ، والكلمة من الإحتكار – موسوعة اللهجة الكويتية – خالد الرشيد

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن