من هو محمد بن نايف.. الرجل القادم في السعودية؟

محمد بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود

محمد بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود

في عام ٢٠٠٩، أوصل شاب سعودي ذو علاقات مع تنظيم القاعدة رسالة إلى الأمير محمد بن نايف، الشخص المسؤول عن مكافحة الإرهاب في السعودية، مفادها أنه يرغب بالاستسلام. فأرسل محمد بن نايف طائرته الخاصة لتحضر الشاب إلى منزل الملك في جدة، وما أن وصل الشاب على بعد خطوات من محمد حتى فجر قنبلة كان يحملها في جسمه. أودى الهجوم إلى تناثر أشلاء الشاب السعودي فيما أصيب محمد بن نايف بجروح بسيطة، وهو الذي قد تفادى ما لا يقل عن ثلاث محاولات اغتيال أخرى.
في يوم الجمعة الماضي، وفي أول قراراته بعد توليه الحكم، عين ملك السعودية الجديد سلمان بن عبدالعزيز ابن أخيه الشقيق محمد بن نايف (٥٥ عاماً) بمنصب ولي ولي العهد ليكون بذلك أول أحفاد الملك عبدالعزيز على خط حكم المملكة العربية السعودية، فمن هو محمد بن نايف، الرجل القادم في السعودية؟
وصف تقرير نشرته الواشنطن بوست محمد بأنه رجل ذكي ومحبوب لدى المسؤولين الأميركيين، مبيناً أنه شخص جاد ويعي أبعاد اللعبة السياسية، كما وصفته برقيات الدبلوماسيين الأميركيين التي كشفت عنها ويكيليكس بأنه شخص “أكثر ثقافة وتعليم من والده” الذي كان وزيراً للداخلية وولياً للعهد قبل أن يتوفى في ٢٠١٢.
يحمل محمد بن نايف درجة البكالوريوس في العلوم السياسية حصل عليها عام ١٩٨١ من كلية لويس اند كلارك بمدينة بورتلاند بولاية أوريغون الأميركية، ويعرف على أنه أحد أصدقاء أميركا في المنطقة. وقد التقى محمد الرئيس الأميركي أوباما في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض في ١٢ ديسمبر، ووصف غريغوري غاوس، بروفيسور العلاقات الدولية بجامعة تكساس أي أند أم الأميركية محمد بن نايف بأنه “المسؤول السعودي المفضل لدى الأميركان”، مستنداً في ذلك على التعاون الجيد بين وزارة الداخلية السعودية والمسؤولين الأميركيين.
منذ توليه الحكم في ٢٠٠٥، قاد الملك الراحل عبدالله سياسة خارجية نشطة للمملكة، فأعاد الدور السعودي كلاعب رئيسي في الشؤون العربية وحارب الدور التوسعي المؤثر لإيران في المنطقة. فيما يعد الملك سلمان أكثر تحفظاً من سلفه عبدالله.
وبحسب تقرير كتبته لينا الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام، فإن الملك سلمان يعد أحد “السديريين السبعة”، والذين سعى عبدالله إلى احتوائهم وإضعافهم سياسياً خلال حكمه ليؤمن الحكم لذريته، وفيما كان بإمكان عبدالله تعيين مقرن مباشرة بدلاً من تعيين سلمان الذي يعاني من مشاكل صحية، إلا أنه تجاوب مع ضغط السديريين بضرورة تعيين سلمان حتى يكون لهم دور في السلطة وبما يتيح لهم اختيار ولي له. وقد كان للسديريين ما أرادوا، إذ يعد ولي ولي العهد الجديد الأمير محمد بن نايف من المحسوبين على السديريين، بل ذهب الملك الجديد إلى أبعد من ذلك بتعيين نجله محمد ذو الـ٣٤ عاماً وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان الملكي خلفاً لخالد التويجري الرجل القوي في السعودية والسكرتير الشخصي للملك الراحل عبدالله، كما عين شقيقه أحمد (أحد السديريين السبعة) رئيساً لهيئة البيعة.
وبالعودة للأمير محمد بن نايف، فقد سبق للملك عبدالله أن كلفه بإدارة الملف السوري في ٢٠١٤ بعد فشل الاستراتيجية السعودية في سوريا والتي كان يتولاها قبل ذلك بندر بن سلطان، سفير المملكة السابق في الولايات المتحدة، والذي كانت سياسته تفضي بدعم الجهاديين لإسقاط نظام بشار الأسد، وهو ما نعيش تبعاته الآن مع بروز تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا. وقد كان دور محمد بن نايف السياسي بالإضافة إلى شعبيته عند العديد من القبائل سبباً مؤثراً في اختياره ولياً لولي العهد كما يرى تقرير كارنيغي.
وفي ضوء الأعداد المتزايدة من المجاهدين السعوديين في سوريا، حرص محمد بن نايف على تدعيم صورة المملكة كإحدى الدول القيادية في الحرب على الإرهاب من خلال إنشاء مراكز إعادة لتأهيل الجهاديين أسميت بـ”لجان المناصحة”، مدركاً الخطر الذي قد يحمله هؤلاء الجهاديين عند عودتهم إلى وطنهم، كما زاد من دعم المملكة للجبهة الجنوبية للجيش السوري الحر، وهي قوات تحظى بدعم من الغرب ودول الخليج، على حساب التحالف الوطني السوري، ويحاول محمد بن نايف إقناع الإدارة الأمريكية بهذا التوجه كما يعمل على تحسين العلاقة الأميركية السعودية التي واجهت بعض الجفاء في الآونة الأخيرة.
ويصف تقرير كارنيغي محمد بن نايف على أنه شخص برغماتي (عملي)، فبالرغم من أجواء عدم الثقة التي تكسوا العلاقات الإيرانية السعودية، إلا أن المملكة باتت تعي أن الأثر الإيراني في المنطقة أصبح أمرا واقعا ولا يمكن إنهاءه بسهولة، وهو ما أدى بالمملكة للتصرف بطريقة براغماتية مع ملفي العراق واليمن، فأيدت التغيير الحكومي في العراق من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي للحالي حيدر العبادي والذي أتى بعد مباركة إيرانية، كما أبقت على قنوات الاتصال مفتوحة مع الحوثيين، حلفاء إيران في اليمن. كما أن مد الدولة الإسلامية في سوريا بات يشكل خطراً مشتركاً للسعودية وإيران، ومن المرجح أن يدفع بالبلدين إلى تفاهم معين في المستقبل، مما سيكون له أثر في تهدئة الأوضاع في لبنان على سبيل المثال.
وسبق لمسؤول في إدارة أوباما أن وصف للواشنطن بوست ما تراه الإدارة الأميركية بمحمد فقال “إنه يمتلك حساً براغماتياً عالياً كما أنه ليس شخص أيدولوجي، وهو ما يقدره المسؤولين الأميركيين”، مبينا أن محمد يولي الخطر الإرهابي أهمية قصوى، ويبحث دائماً عن طرق عملية للتعامل معه، أما فيما يتعلق بما يجري في المنطقة فقال المسؤول أن محمد بن نايف “يحاول أن يعمل معنا مع التركيز على مواجهة ذات الأخطار الإرهابية التي نراها.. فأصبح شريكاً بناءً للولايات المتحدة”.
بمقابل ذلك، رأى آدم كوغل، وهو باحث في منظمة هيومان رايتس واتش في شؤون الشرق الأوسط ومقره السعودية، أن سجل محمد بن نايف في حقوق الإنسان لا يرتقي للآمال التي عقدت عليه عندما عين وزيراً للداخلية، فأصبح “المهندس الرئيسي لقمع الناشطين في حقوق الإنسان، فهو الأكثر تشدداً فيما يتعلق بملاحقة الأصوات المستقلة والمتزنة الداعية للإصلاح.” وبينما كان والده عند توليه وزارة الداخلية يقوم بحبس الناس دون محاكمات ومن ثم يطلقهم عند اعتقاده بأنهم قد “تعلموا الدرس”، فإن محمد بن نايف قد وضع نظاماً أكثر احترافية من خلال توجيه اتهامات محددة وعقد محاكمات، إلا أن النتيجة تفضي إلى أن يتلقى من ينتقد النظام الحاكم على أحكاماً تصل إلى ١٠ و ١٥ عاماً في السجن، مضيفاً “إنه في الحقيقة أسوأ من والده”.
ومع تطورات الحكم الجديدة في السعودية، والمخاوف على صحة الملك سلمان، وحيادية ولي العهد الأمير مقرن، فإنه من المرجح -حسب تقرير كارنيغي- أن يواصل محمد بن نايف لعب الدور القيادي في ما يتعلق بسياسات المملكة في الشرق الأوسط.