مملكة الأسرار: ماذا نعرف عما يجري في دوائر الحكم السعودية؟

riyadh saudi arabiaa

تأسست المملكة العربية السعودية عام ١٩٣٢ على يد عبدالعزيز آل سعود، الذي خلف نظاماً وراثياً ينتقل الحكم خلاله بين الأبناء واحداً تلو الآخر من الأكبر سناً حتى أصغرهم، ومنذ وفاة الملك عبدالعزيز في ١٩٥٣ انتقل الحكم لإبنه سعود (الذي أزيح تالياً)، وتتابع الوضع في العقود الستة التالية إذ انتقلت سدة الحكم من أخ لأخيه بتراتبية شبه عمرية. لكن بلوغ العديد من أبناء عبدالعزيز (وعددهم لا يقل عن ٣٥) أعماراً كبيرة جعل من الضروري أن ينتقل الحكم إلى أبناءهم، الجيل الثالث من العائلة -وعددهم ليس بقليل أيضا-، وهذا ما يشكل تحد كبير لمستقبل المملكة والعائلة المالكة مع ازدياد أعداد الأمراء المتنافسون على الحكم والمناصب.

وفي أعقاب وفاة الملك عبدالله أثيرت العديد من التساؤلات حول ما يجري خلف كواليس عائلة الحكم السعودية، خصوصاً في ظل تعيين الملك الجديد سلمان للأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد ليكون بذلك أول أحفاد عبدالعزيز على خط الحكم، فأجاب بذلك الملك سلمان عن التساؤلات والتكهنات عن كيفية انتقال الحكم للـ “جيل الجديد” من الأمراء والذي كان يشكل تحدياً إبان حكم الملك عبدالله، فتعدد المتنافسون حول حكم السعودية بين أبناء العائلة وأثيرت العديد من التكهنات والتحليلات حول مؤامرات وتحالفات تتم خلف الكواليس، فما هي حقيقتها؟ وما الذي يجري فعلا في المملكة؟ وهل هناك “انقلاب” كما يصور البعض؟

الجيل الثالث

لقد كان ملف الحكم شائكا في ظل عدم وجود نظام لتراتبية السلطة في السعودية، فكانت عادة ما تخضع لتراتبية شبه عمرية بين أبناء الملك عبدالعزيز، كما كانت هناك بعض المناصب التي حددت هذه التراتبية فكان هناك الملك وولي العهد ومنصب “المفتش العام” ورئاسة الحرس الوطني، وهي جميعها مناصب كانت تحدد تراتبية الأمراء من أبناء عبدالعزيز في سلم الحكم. ولكن ومع موت العديد من أبناء عبدالعزيز مع تولي عبدالله للسلطة -الذي فقد بدوره اثنان من اخوته بعد تعيينهم أولياء لعهده (سلطان بن عبدالعزيز ونايف بن عبدالعزيز)- برزت مخاوف وتحديات حول مستقبل الحكم في المملكة وكيفية انتقال الحكم فيها للجيل الثالث من العائلة.

من المهم هنا الإشارة الى ان الملك عبدالله كان قد أقدم على خطوة هامة في إنشاء هيئة البيعة السعودية عام ٢٠٠٦، وذلك بهدف وضع نظام مؤسسي واضح لانتقال الحكم في المملكة، فتضم الهيئة في عضويتها أبناء الملك عبدالعزيز او من يمثلهم من أبناؤهم، ويتلخص عملها في اختيار ولي العهد بناء على ترشيح الملك او اختيار من تراه الهيئة مناسباً.

مقرن بن عبدالعزيز

مقرن بن عبدالعزيز

لم تتم الاستجابة لموضوع انتقال الحكم للجيل الثالث إبان حكم الملك عبدالله، إذ ورّث الملك هذا الملف لمن يخلفه بعد وفاته، إلا أنه -وفي طل قلق المجتمع الدولي حول الحكم في السعودية بعد وفاة وليين للعهد- حرص على إرسال رسائل تطمينية للعالم تفيد باستمرار حكم مستقر لـ آل سعود في المملكة العربية السعودية، أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، خصوصاً في ظل ما يتردد حول صحة ولي عهده الثالث -أنذاك- الأمير سلمان (الملك الحالي) ومن أنه يعاني أمراضا تؤثر في وعيه. فابتدع الملك عبدالله منصباً جديداً بمسمى “ولي ولي العهد” وعين فيه شقيقه الأصغر مقرن بن عبدالعزيز، متجاوزاً بذلك إخوة له أكبر سناً، ومغلقاً الباب أمام جيل أبناء الملك عبدالعزيز بتعيين شقيقهم الأصغر (٦٩ عاماً) ومتيحاً بذلك المجال لسلفه في تعيين الجيل التالي من الأمراء، وكان لافتاً أن استحداث هذا المنصب الجديد قد جاء دون رأي هيئة البيعة، فتم تجاوزها لتصبح غير ذات أهمية، مما أثار استياء بعض أعضاءها وأبرزهم الأميرين أحمد بن عبدالعزيز (أحد “السديريين السبعة” من أبناء عبدالعزيز) وطلال بن عبدالعزيز.

التحليلات

وتتعدد الآراء والنظريات حول سبب إقدام الملك عبدالله على هذه الخطوات، وتزداد هذه التحليلات في السعودية في ظل السرية التامة التي تحيط بوضع الحكم والعائلة المالكة فتنتشر التكهنات التي عادة ما تكون لصالح طرف ضد آخر وقد تصدق في بعض الأحيان، وتقول إحدى هذه النظريات الواسعة الانتشار أن الملك الراحل عبدالله أراد تأمين الحكم لصالح نجله المقرب متعب فعين مقرن في وليا لولي العهد ليأتي به من الهامش إلى الحكم، إذ يفتقر مقرن للعلاقات القبلية كما لا يتمتع بأي منصب مهم، وترى النظرية أن مقرن سيرد الجميل للملك عبدالله من خلال تعيين ابنه في تراتبية الحكم. وتلقي نظرية أخرى اللوم على رئيس الديوان الملكي القوي -أنذاك- خالد التويجري في ما حصل، مبينة أنه أقنع الملك بتعيين مقرن ليستمر في دائرة السلطة بعد موت الملك.

متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز

متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز

كان تعيين الأمير مقرن (ولي العهد الحالي) ولياً لولي العهد عشية زيارة أوباما للسعودية العام الماضي خطوة غير مسبوقة في تاريخ النظام السعودي، فوضعت حداً للتكهنات حول الخلفاء المحتملين وأرست بعضاً من الطمأنينة للعالم حول الحكم في السعودية. بينما أشارت الواشنطن بوست في تقرير لها في تلك الفترة “يبدو أن مقرن يتمتع بشعبية لدى الناس العاديين الذي يقولون أنه ليس فاسد، كما يحترم الدبلوماسيون الغربيون مقرن فيصفونه بأنه محبوب وذكي”.

ويقول تقرير الواشنطن بوست أن الألسن داخل العائلة المالكة لم تتوقف عن إبداء استياءها عند تعيين الأمير مقرن أنذاك سواء حول طريقة اختياره وشرعية المنصب الجديد الذي تم ابتداعه (ولي ولي العهد)، ومستواه الاجتماعي إذ أنه ابن امرأة يمنية. وينقل التقرير عن مسؤول سعودي لم يفصح عن اسمه بسبب خطورة الحديث عن العائلة المالكة قوله “إنه ليس أمير حقيقي.. والدته كانت من العاملين لدى الملك عبدالعزيز ولديه أخوة أحق منه.. لا أحد يصدق أن مقرن ممكن أن يكون ملكاً”.

وأشار التقرير إلى @mujtahidd الذي يستخدم موقع تويتر للحديث حول ما يجري وراء كواليس العائلة المالكة السعودية، والذي قال أن مقرن قد تم اختياره “حتى يمكن استخدامه بسهولة” في تعيين متعب حاكما في المستقبل، فيما يرى البعض أن هذا الهجوم قد يكون وراءه من لم يستفيدوا من الترتيبات التي أجراها الملك عبدالله في العائلة.

خطوات الملك الجديد

الملك سلمان بن عبدالعزيز مع نجله محمد وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي الجديد

الملك سلمان بن عبدالعزيز مع نجله محمد وزير الدفاع ورئيس الديوان الملكي الجديد

أتى الملك سلمان للسلطة بخطوات واثقة وقرارات سريعة حددت وجهة الحكم في المملكة، فلم ينقض قرار الراحل عبدالله بتعيين مقرن وليا للعهد، بل أنه حافظ على منصب “ولي ولي العهد” وعين فيه محمد بن نايف، أول أحفاد عبدالعزيز على خط الحكم ومن المحسوبين على السديريين في العائلة، وهم أبناء عبدالعزيز من زوجته السديرية، كما عين شقيقه أحمد (أحد السديريين السبعة) رئيساً لهيئة البيعة، فيما أزاح خالد التويجري، الرجل القوي في السعودية ورئيس الديوان الملكي والسكرتير الشخصي للراحل الملك عبدالله والقريب من نجله متعب، من مناصبه وعين نجله المقرب محمد بن سلمان وهو الشاب ذو الرابعة والثلاثين وزيرا للدفاع ورئيسا للديوان الملكي، في إشارة إلى تهيئته للعب دور رئيسي في العائلة والحكم بالمستقبل، ففرض بذلك الملك سلمان أجندته الخاصة على الأمور.

وتتعدد التحليلات حول المستقبل، فهناك من يرى ان مقرن سيأتي بمتعب بن عبدالله وليا لولي العهد ليخلف بذلك محمد بن نايف، خصوصا وانه لا يمتلك القوة والدعم الكافي في العائلة لتعيين أحد أبناءه، فيما يرى آخرون ان السلطة قد تبقى في يد السديريين لفترة قادمة وأن محمد بن نايف هو الرجل القوي في السعودية الآن، الا ان جميع هذه التحليلات لا تتعدى التكهنات، إلا ان الواضح هو ان الاسرة الحاكمة في السعودية قادرة على المحافظة على تماسكها إلى حد كبير، أو على الأقل خلال فترتي الحكم القادمتين لكل من مقرن ومحمد بن نايف.