أيهما أهم: الدفاع عن انتماءاتنا أم الدفاع عن حرية التعبير!؟

يبدو اننا كشعوب هذه  المنطقة، وفي هذا الزمن، ما زلنا نعاني من أزمة هوية فكرية، و مازلنا نتخبط في ردود أفعالنا بين من يدافع عن انتماءه بالعنف و بين إنكار جرائم متطرفينا و أفعالهم.

مع بداية عام 2015، وفي مقر مجله هزلية في عاصمة من أكثر العواصم حرية وأكثرها دفاعاً عن الرأي وحق التعبير، وفي مجلة تنتقد و تسخر من كافة المناصب والمذاهب والأديان والأصول بصورة ساخرة بما يتوافق مع قوانينهم ومساحة حرية النشر والتعبير لديهم، يقوم بعض من الإخوة المسلمين باقتحام مقر المجلة ورصد وقتل 12 شخصاً، كرد منهم على ما يرونه إساءات تمثلت في الرسوم الهزلية تجاه الإسلام، ليعودوا بنا إلى أيام الجهل و انعدام القانون، وليلقنوا العالم درساً في عدم التعرض لدينهم “المتسامح”، ضاربين عرض الحائط لكل ما له علاقة بالقوانين والتحضر، فقالوا “اثنا عشر شخصاً  فداءا لحماية ديننا”.

و من هنا تبدأ المصيبة الاخلاقية، و هي دفاع البعض لدينا، ممن يعاني أزمة فكرية متخلفة و اضطراب في الهوية، بتبرير الفعل الإجرامي الذي حدث، فتارة يدّعي أنه خطأ الصحيفة بنشر الرسوم و”التمادي” باستخدام الحرية، وتارة أخرى نراه يحاول إيجاد المخرج الذي يبرر الموضوع على أنه “مؤامرة استخباراتية” لتشويه سمعة المسلمين، وكأنه يحاول تصديق أي دليل مفبرك -وغير مقنع لأي إنسان واع- يساعده على إنكار حدوث الجريمة، وذلك لمجرد إراحة ضميره الإنساني الضائع، ويتعدى ذلك لحد إنكار أزمة حقيقية راسخة –للأسف- في الفكر السائد في مجتمعاتنا وهي صعوبة تقبل الانتقاد والتعايش مع الحرية وممارستها وما يترتب عليها، واستيعاب أهمية حق التعبير والنشر المطلقة كعنصر طبيعي ومهم في ديمومة أي مجتمع سلمي متحضر. فكم غريب هو العقل البشري المتعصب عندما يجد المخارج والأعذار الضحلة ليصدقها، فيبررها لضميره الساكن ويدافع عن انتماءه بصورة  متعصبة مخجلة. وغريبة تلك الردود التي يسوقها البعض في عدم الاستنكار و الدفاع عن حرية النشر والتعبير ضد ما تعرضتا له من ارهاب و الاكتفاء بإلقاء اللوم على استفزازالصحيفة.

على ما يبدو أنه وحتى هذه اللحظة تعاني العقول في المنطقة من تخلف غريب، بل قد يكون من الأنسب القول أنه تخلف متراكم مقصود لإنكار أهمية الحرية الفكرية والنقد في أي مجتمع، فأصبحنا ندافع ونبرر العنف وبالمقابل نهمل الدفاع عن الحرية، وهو أمر متناقض مستفز ومخجل جدا لأي إنسان عاقل محب للسلام، و هو نتاج واضح لما تعرض له العقل والفكر عند شعوب المنطقه من غسيل للمخ و تشويه لصورة الحرية، فهذا العقل المسكين تعرض لعمليات “تحصين فكري” متراكمة وممنهجة من قبل توجهات سياسية وطائفية بائدة ومتشددة ومتعصبة محاربة للحرية و”شرورها” تحت ذرائع المساس بذوات أشخاص أو بالتاريخ، مصيبين بذلك بعض العقول بإعاقات فكرية إنسانية مزمنة، فتلك التوجهات الضعيفة هي الوحيدة الغير قادره على الاستمرار أمام رياح حرية النقد و حق التعبير والعيش بسلام مع باقي المجتمعات المختلفة. فحاربت الحرية وقيدتها بما يتناسب مع نقاط ضعف تلك التوجهات ، و خلقت بذلك أجيال متعصبة غريبة على العقل الانساني في هذا الزمن.

ان عدم تقبل “حرية النقد المطلقة” والسعي الدائم لتقييدها، وعدم الإيمان بقدسيتها المستحقة للإنسان، والسعي لمحاربة هذه الحريات حتى في قوانينا وتشريعاتنا الحديثة ماهو إلا علامة لضعفنا وعدم ثقتنا بأنفسنا، ودلالة على هشاشة أفكارنا و ضعف مناعتها، فعدم الثقه أمام الانتقاد هو ما أدى الى الغضب و ردود الفعل العنيفه، فلا سبيل للوصول في أي مجتمع لبيئة متصالحه من الداخل أو بين الشعوب المختلفة إلا بمساحة من الحرية وتقبل حق الانتقاد السلمي والتعبير وحق العيش المشترك مهما اختلفت الآراء.

علينا أن نؤمن بأننا كشعوب عربية إسلامية لم نصل بعد إلى مرحلة الدفاع عن حرية الفكر والانتقاد التى وصلت لها العديد من الشعوب في العالم، و مازلنا في مربع الدفاع الأول عن كل معتقداتنا و انتماءاتنا السياسية أمام الانتقادات، غير مقتنعين بأن انتماءاتنا أقوى من الانتقادات و الافكار المختلفه تجاهها، فيأتي دفاعنا بشكل لا ينم عن الثقة وليس في صالحنا سواء على صعيد أمن مجتمعاتنا الداخلي أو في صالح قضايانا كأمة عربية إسلامية أمام المجتمع الدولي.

اننا اليوم في مأزق أخلاقي تجاه العالم والمجتمع الإنساني، فإما أن نكون على قدر إنسانيتنا في الدفاع عن حرياتنا الفكرية و نستنكر تلك الجرائم، أو أن نكرس بردود أفعالنا تعصبنا و نقر بأننا مازلنا في عصور التعصب و الظلام.

آملين بأن مثل تلك الأحداث و المظاهرات الاحتجاجية في العالم ضد جريمة شارلي قد توقض العقل في المنطقه، فتثير التساؤل لدينا “لم كل هذا الغضب تجاه الجريمة و لم كل هذا الاجماع العالمي على استنكاره؟!”  فتسلط  بذلك الضوء  على سبب  قداسة  الحرية  لدى مجتمعاتهم و تعيدها إلى الضمير الإنساني الذي افتقدناه في المنطقة.

هيثم أسامه النصف
@halnisf